عبد الوهاب الشعراني
604
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
عليها المتقدمون مكلفين عقولهم ما ليس في وسعها طمعا في أن ينال ما لا ينال فكان عاقبتهم الحيرة والضلال ، وأن من هذا القبيل قراءة أهل العرصات الكتب المكتوبة بخط الملائكة الكرام ولا شك أنها بخلاف كتابة أهل الدنيا ولهذا يقال للكتابة التي لا تقرأ كأنها خط الملائكة ومن ذلك أيضا ما يخلق اللّه تعالى من إدراك لذات كثيرة من نعيم الجنة مطعومها ومشروبها ومشمومها وملبوسها ومنكوحها عن حالة لا توجد في الدنيا كما وردت به الأخبار الصحيحة في ثواب الأعمال وتلك الإدراكات بذاتها لا تضاهي شيئا من الإدراكات التي تدرك بها اللذات الدنيوية فإنها وإن كانت تشاكلها في الجنسية والتسمية فإن لها اختصاصات عجيبة تكل العقول عن دركها ، وقول ابن عباس رضي اللّه عنهما ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا بأسمائه أصل كبير في هذا الباب . قال الشيخ أبو طاهر : فلعدم تلك الإدراكات في الدنيا لا نجد في أنفسنا لذة النظر إلى وجه اللّه الكريم ولا غير ذلك من اللذات الموعودة في الجنة كما لا يجد الصبي في صباه لذة الجاه لأنه لم يخلق له إدراك ذلك قال : والدليل على هذه الجملة قوله صلى اللّه عليه وسلم عن رب العزة جل وعلا أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه ثم قرأ قوله تعالى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] وهذه خطة ضلت فيها الفلاسفة فأنكروا أمور الآخرة وإذ قد صح لك أن العقل لا يطلع على كنه حقائق الأشياء الغيبية ولا يبلغ منتهى أسرارها علمت أن غايته أن يقيس ما لا يراه على ما يراه بأدنى شبه يكون بينهما ، وقد جاءت الشرائع بأشياء يعجز العقل عن معرفة عللها وكيفياتها ولكن إذا حكم العقل بإجازتها وجب علينا الإيمان بها كالحشر والنشر في الآخرة كالوجه والقدم في صفات اللّه تعالى وكذلك القول في معرفة مقادير الشرائع والعبادات وقد درج